أثار إعلان الكيان الإسرائيلي اعترافه بما يُسمّى “أرض الصومال – صوماليالاند” موجة واسعة من التنديد، كان أبرزها الموقف الصومالي الرسمي والحزبي الذي اعتبر الخطوة تهديدا مباشرا لسيادة جمهورية الصومال ووحدتها الترابية، ومسًّا خطيرا بأمن القرن الإفريقي واستقراره.

غير أن هذا الحدث، رغم ما يحمله من رمزية سياسية، يفرض قراءة أعمق تتجاوز ردود الفعل الآنية إلى تحليل الأبعاد والمآلات: ما الذي يريده الكيان من هذه الخطوة؟ وهل يمكن أن تتحول إلى واقع دولي مؤثر، أم أنها مجرد محاولة لخلط الأوراق؟

السياق الجيوسياسي: القرن الإفريقي في قلب التنافس الدولي.

لا يمكن فصل هذه الخطوة عن التحولات المتسارعة في منطقة القرن الإفريقي، التي باتت إحدى أكثر مناطق العالم حساسية بسبب:

  • موقعها الاستراتيجي المشرف على باب المندب وخطوط الملاحة الدولية.
  • قربها من البحر الأحمر والخليج العربي.
  • هشاشة البنى السياسية والأمنية في بعض دولها، ما يجعلها ساحة مفتوحة للتدخلات.

في هذا السياق، يسعى الكيان الإسرائيلي منذ سنوات إلى توسيع حضوره الأمني والاستخباراتي والاقتصادي في محيط البحر الأحمر، مستفيدا من النزاعات الداخلية والانقسامات السياسية، ومن منطق دعم الكيانات الهشة بدل التعامل مع الدول الوطنية المركزية.

لماذا “صوماليالاند”؟

اختيار “صوماليالاند” لم يكن اعتباطيا، بل يستند إلى حسابات دقيقة:

  1. الرهان على الأمر الواقع: كيان يسيطر فعليا على الأرض منذ التسعينيات دون اعتراف دولي.
  2. استثمار النزعات الانفصالية كورقة ضغط جيوسياسي.
  3. خلق موطئ قدم غير مباشر في القرن الإفريقي دون مواجهة مباشرة مع الدولة الصومالية المعترف بها دوليا.

وهو منطق يتقاطع مع سياسة معروفة للكيان تقوم على تفكيك المحيط بدل الاستقرار فيه، وإضعاف الدول عبر دعم الانقسامات الداخلية بدل احترام سيادتها.

الاعتراف الأحادي وحدوده القانونية

من زاوية القانون الدولي، فإن الاعتراف الأحادي من دولة واحدة، خصوصا إذا كانت محل نزاع قانوني وأخلاقي، لا ينشئ دولة ولا يمنح شرعية سيادية.

فقيام الدول لا يتم بالإعلانات السياسية، بل عبر:

  • قبول دولي واسع.
  • عضوية في المنظمات الدولية.
  • احترام مبدأ وحدة أراضي الدول ذات السيادة.

وعليه، فإن هذا الاعتراف لا يغيّر الوضع القانوني لصوماليالاند، ولا ينتقص من سيادة جمهورية الصومال المعترف بها دوليًا، بقدر ما يندرج في إطار الضغط السياسي والتشويش الاستراتيجي.

الموقف الجزائري: رفض مبدئي لتدويل الانفصال

في هذا الإطار، يكتسي الموقف الجزائري الرافض لهذه الخطوة دلالة خاصة، إذ يندرج ضمن ثابت دبلوماسي راسخ يقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض كل أشكال تشجيع النزعات الانفصالية أو توظيفها سياسيا.

فالجزائر، التي واجهت ولا تزال محاولات مكشوفة لصناعة كيان وهمي تحت مسمى “دولة القبايل” بقيادة الانفصالي فرحات مهني، تدرك بحكم تجربتها أن الاعتراف بكيانات انفصالية ليس دفاعا عن حق تقرير المصير، بل أداة لتفكيك الدول من الداخل وإضعافها استراتيجيا.

ومن هذا المنطلق، فإن إدانة الجزائر للاعتراف بما يسمى “صوماليالاند” لا تنبع فقط من تضامن مبدئي مع جمهورية الصومال، بل من وعي استراتيجي إفريقي يعتبر أن شرعنة الانفصال في أي بقعة من القارة يفتح الباب أمام فوضى سيادية عابرة للحدود، ويحوّل إفريقيا إلى فسيفساء من الكيانات الهشة القابلة للاختراق والارتهان الخارجي.

رسائل أكثر من سياسية

يبدو أن الخطوة الإسرائيلية تحمل طابعا رسائليا أكثر من كونها مشروعا سياسيا قابلا للحياة، ومن أبرز هذه الرسائل:

  • اختبار ردود الفعل الإفريقية والعربية.
  • تشويش المشهد الإقليمي وصرف الانتباه عن ملفات أكثر إلحاحا، (ملف غزة واستحقاقاته الحالية).
  • تعزيز أوراق ضغط غير مباشرة في قضايا البحر الأحمر والأمن الملاحي.

المآلات المتوقعة: هل تنجح المناورة؟

القراءة الواقعية ترجّح أن هذه الخطوة:

  • لن تحظى بتأييد دولي واسع.
  • لن تُحدث تحولا في ميزان الاعتراف الدولي.
  • قد تسهم فقط في إرباك المشهد السياسي الصومالي مؤقتا وزيادة حدة التوتر الداخلي.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاعتراف ذاته، بل في تراكم مثل هذه المناورات إذا لم تواجه برؤية إفريقية وعربية موحدة، وبمشروع وطني صومالي يعالج جذور الانقسام ويعيد بناء الدولة الجامعة.

الخلاصة

إن الاعتراف الإسرائيلي بـ “صوماليالاند” لا يبدو خطوة مؤسسة لواقع جديد، بقدر ما هو محاولة محسوبة لخلط الأوراق واستثمار هشاشة اللحظة الجيوسياسية.
غير أن التاريخ السياسي يعلّمنا أن المناورات الصغيرة قد تتحول إلى أزمات كبرى إذا وُوجهت بردود فعل متفرقة لا استراتيجية.

ويبقى الرهان الحقيقي على تماسك الدول الوطنية، ووضوح الموقف الإفريقي، ووعي النخب السياسية بخطورة تدويل النزعات الانفصالية، لأن السيادة لا تُصان بالشجب وحده، بل ببناء القوة الداخلية، وإدارة الصراع بذكاء استراتيجي طويل النفس.