لم تعد التطورات المتسارعة في مالي شأنا داخليا يمكن احتواؤه ضمن حدودها الجغرافية، بل تحولت إلى مصدر ضغط مباشر على كامل إقليم الساحل، حيث تتسع دائرة التداعيات الأمنية والسياسية لتطال دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر، التي تجد نفسها في مواجهة مشهد إقليمي متقلب ومعقد.

مشهد مالي المتأزم

تسارع الأحداث في الداخل المالي، خاصة بعد انهيار الإطار السياسي الذي مثله اتفاق الجزائر عام 2015 وقرار إنهائه في جانفي 2024، أعاد فتح المجال أمام تصاعد الفوضى الأمنية، وهو ما انعكس سريعا على محيطه الإقليمي.

وفي تصريح خاص لمنصة “أوراس” أكد الناشط السياسي المهتم بشؤون الساحل زناني علي أن “الوضع في مالي معقد ومتسارع، حيث تشهد البلاد أزمات أمنية وسياسية واقتصادية متداخلة منذ سنوات و تفاقمت بشكل خاص في الآونة الأخيرة بعد الانقلاب على الشرعية وتولي العسكر السلطة تحت قيادة غويتا.

وأضاف علي زناني أن “ما زاد الطين بلة هو تملص القيادة العسكرية من اتفاق الجزائر المبرم بين الحركات الأزوادية وحكومة مالي تحت رعاية الجزائر، وهو ما جعل المشهد العام قاتما وقابلا لمزيد من التصعيد”.

وهذا الانسداد الداخلي لم يبق حبيس الجغرافيا المالية، بل سرعان ما انعكس على الإقليم، في ظل بيئة هشة أصلا تعاني من أزمات متشابكة وحدود مفتوحة.

تداعيات إقليمية متصاعدة

الأزمة المالية اليوم تتجاوز حدودها لتتحول إلى عنصر عدم استقرار إقليمي، خاصة مع تحول الساحل إلى ساحة تلاقي مصالح دولية.

في هذا السياق، يبرز تحليل زناني علي الذي يرى أن المنطقة لم تعد مجرد بؤرة اضطراب محلي، بل أصبحت نقطة تقاطع لمشاريع قوى دولية كبرى، مستفيدة من تراجع النفوذ الفرنسي والأوروبي، ودخول فاعلين جدد مثل روسيا وتركيا والصين، إلى جانب أدوار أخرى إقليمية ودولية تؤثر بشكل مباشر في توازنات المنطقة، وهو ما يزيد من تعقيد أي محاولة لاحتواء الأزمة.

وهذا المعطى يتقاطع مع رؤية خبير الشؤون الدولية عمار سيغة، الذي يعتبر أن الساحل الإفريقي تحول فعليا إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح، حيث أدى الحضور الروسي المتزايد إلى إدخال مالي في معادلة تنافس دولي معقدة، جعلت من البلاد مسرحا لتصفية حسابات بين قوى كبرى، في ظل استغلال الممرات الأمنية والموارد، وهو ما ساهم في إضعاف المبادرات السياسية، بما فيها اتفاق الجزائر، الذي بات بدوره متأثرا بتوازنات خارجية.

تحالفات ميدانية معقدة

ضمن هذا السياق المضطرب، برزت تحالفات ميدانية غير تقليدية بين جماعات متناقضة أيديولوجيا، أبرزها التحالف بين حركة تحرير أزواد وجماعات إرهابية تابعة لتنظيم “القاعدة” مثل أنصار الدين وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما يعكس طبيعة الصراع الجديدة.

وهذه التحالفات، كما يوضح عمار سيغة، لا تقوم على انسجام فكري بقدر ما تحكمها براغماتية ميدانية فرضتها وحدة العدو، حيث وجدت جماعات ذات مشاريع مختلفة بين جهادية عابرة للحدود وانفصالية محلية، نفسها في مواجهة مشتركة مع الجيش المالي وحلفائه، ما دفعها إلى تأجيل خلافاتها لصالح هدف مرحلي.

وأضاف المتحدث ذاته، أن هذا التعقيد يزداد بفعل البنية الاجتماعية للمنطقة، حيث تلعب التركيبة القبلية وتداخل الأعراق، خاصة بين الطوارق والأزواد، دورا حاسما في تغذية هذه التحالفات، إذ ينتمي عدد كبير من المقاتلين إلى نفس الامتدادات الاجتماعية، ما يجعل الفصل بين الانتماءات الأيديولوجية والانتماءات المحلية أمرا بالغ الصعوبة على الأرض.

كما أشار الخبير في الشأن الدولي عمار سيغة إلى أن الاعتماد المتزايد على الحلول العسكرية، سواء من قبل القوى الدولية أو المحلية، ساهم في تعقيد المشهد، حيث يرى أن عسكرة المقاربات همشت الحلول السياسية والتنموية، وأبقت القرار السيادي المالي رهين توازنات وتحالفات خارجية.

هل الحدود الجزائرية آمنة؟

في خضم هذه التحولات، تبدو الجزائر في موقع المواجهة المباشرة مع تداعيات الأزمة، بحكم حدودها الطويلة مع مالي والتي تتجاوز 1300 كيلومتر.

هذه الحدود، كما يوضح عمار سيغة، ليست مجرد خطوط جغرافية، بل تمثل تحديا أمنيا معقدا يتطلب تعبئة مستمرة للإمكانات العسكرية والتكنولوجية، من مراقبة جوية وطائرات بدون طيار ورادارات متطورة، إلى جانب الجهد الاستخباراتي الذي مكن الجزائر من الحفاظ على دورها كحاجز أولي أمام التهديدات.

مضيفا أن التحدي لا يقتصر على المراقبة، بل يمتد إلى طبيعة التهديد نفسه، حيث لم تعد الجماعات المسلحة تعمل بشكل تقليدي، بل باتت تعتمد على خلايا صغيرة وشبكات تهريب عابرة للحدود تمثل شريانا حيويا لتمويل نشاطها، ما يزيد من صعوبة التصدي لها.

وفي هذا السياق، يبرز خطر تدفق النازحين كأحد أبرز السيناريوهات المطروحة، حيث يشير سيغة إلى أن موجات النزوح المحتملة نحو الجنوب الجزائري ثم العمق الجزائري قد تتحول إلى ضغط أمني واقتصادي واجتماعي، مع احتمال استغلالها من قبل عناصر متطرفة للتسلل إلى الداخل.

كما تتعاظم المخاوف من تحول المناطق الحدودية في شمال مالي، خاصة كيدال وتيساليت، إلى قواعد خلفية أو “حديقة خلفية” لشن عمليات تستهدف العمق الجزائري، بما في ذلك المنشآت الحيوية، وهو سيناريو يستحضر تجارب سابقة ويعكس خطورة التمدد الجغرافي للجماعات المسلحة.

ورغم هذه التحديات، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجزائر نجحت في بناء منظومة احتواء فعالة نسبيا.

فبحسب زناني علي، تم تعزيز الطابع الأمني للمناطق الحدودية وتحويلها إلى فضاءات عسكرية شديدة المراقبة، ما سمح بامتصاص جزء كبير من التهديدات القادمة من شمال مالي.

لكن هذا النجاح، وفق نفس القراءة، لا يعني نهاية الخطر، بل يعكس حالة “احتواء عسكري” مستمر، حيث تبقى التهديدات قائمة وإن كانت تحت السيطرة، خاصة في ظل نشاط شبكات الهجرة غير الشرعية والتهريب التي تتقاطع أحيانا مع الجماعات المسلحة.

سيناريوهات مقلقة

في ضوء هذه المعطيات، يبرز أخطر سيناريو يتمثل في احتمال انهيار الدولة في مالي أو امتداد الفوضى إلى دول مجاورة مثل النيجر، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور ملاذات آمنة للتنظيمات المتطرفة على مقربة من الحدود الجزائرية.

وهذا الاحتمال، كما يراه المهتم بشؤون دول الساحل زناني علي، لا يقتصر على تهديدات حدودية تقليدية، بل يحمل أبعادا استراتيجية تمس الأمن القومي بشكل مباشر.

كما أن استمرار التحالفات الميدانية بين الجماعات المسلحة، المدفوعة بوحدة العدو المتمثل في السلطة العسكرية وحلفائها، يعزز من احتمالات تصاعد التهديدات في المرحلة المقبلة.

وأمام هذا المشهد، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة دقيقة تفرض التوازن بين الجاهزية العسكرية والتحرك الدبلوماسي، فوفق رأي الخبير في الشأن الدولي عمار سيغة، تظل المقاربة الجزائرية قائمة على رفض الانخراط في صراعات خارج الحدود، مع التركيز على دعم الحلول السياسية والتنموية، وتكثيف التنسيق الإقليمي لمنع انهيار الدولة المالية.

وهذه المقاربة تعكس حرصا على تجنب الاستنزاف طويل الأمد، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية، وتتعقد فيه طبيعة التهديدات، حسبه.

وبين توسع أزمة مالي بتصاعد التحالفات المسلحة والتنافس الدولي في الساحل الإفريقي، تبقى الجزائر ودول المنطقة أمام اختبار مفتوح لاحتواء في مواجهة أزمة لا تعترف بالحدود.