في قلب المأساة المتواصلة في غزة، تبرز حكاية السيدة أمل الحية زوجة رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة، بوصفها شهادة إنسانية على ثقل الفقد وصمود الأمهات في زمن الحرب. امرأة فقدت أربعة من أبنائها وخمسة من أحفادها، لكنها لا تزال تتمسك بما تبقى من عائلتها، وترفض فكرة مغادرة القطاع الذي يعيش تحت القصف والحصار.

بدأت رحلة الفقد مبكراً، حين استشهد نجلها حمزة عام 2008، قبل أن تتجدد المأساة في حرب 2014، حيث فقدت ابنها الأكبر أسامة مع زوجته وأطفاله الثلاثة، في قصف دمّر المنزل فوق رؤوسهم. تلك اللحظة، كما تروي لقناة الجزيرة مباشر، كانت محفورة في ذاكرتها؛ العائلة صائمة في رمضان، وحفيدتها تتلو القرآن، قبل أن ينهي الصاروخ كل شيء.

وتقول إنها وجدت نفسها تحت الأنقاض، لتكتشف لاحقا أن أحدا لم ينجُ، مضيفة أن الألم لم يكن في الفقد وحده، بل في تفاصيل اللحظة التي سبقت الموت.

وتواصلت الخسائر في السنوات الأخيرة، إذ استشهد نجلها همام في استهداف طال اجتماعاً لقادة حركة حماس في الدوحة، ثم لحق به شقيقه عزام في غزة، فيما نجا عز الدين بإصابات بالغة، فقد خلالها ساقه واثنين من أبنائه.

وتكشف السيدة أمل أن أبناءها الثلاثة، همام وعزام وعز الدين، كانوا “ثلاثة توائم”، وقد تفرقت بهم مسارات الحرب بين الشهادة والإصابة. ورغم الجراح لا يزال عز الدين متمسكا بالبقاء في غزة.

وتصف معاناة عزام بعد إصابته بأنها كانت من أشد ما واجهته، في ظل نقص العلاج، قائلة إنها كانت تتمنى له الرحمة من الألم حتى لو كانت بالشهادة.

ورغم قسوة التجربة، تؤكد أنها لم تودّع أبناءها، وأنها واجهت الفقد بالثبات، مضيفة أنها حمدت الله لحظة استشهادهم، في مشهد يعكس عمق الإيمان الذي تستند إليه في مواجهة الخسارة.

وفي روايتها، تقول إن الحرب تمثل لها امتدادا لحياة من القلق والترقب، إذ عاشت العائلة سنوات تحت تهديد دائم، متنقلة بين المنازل، متجنبة التواصل والظهور خوفا من الاستهداف.

وتقول إن أبناءها رفضوا مرارا مغادرة غزة، رغم توفر الفرص، مفضلين البقاء إلى جانب السكان، وأشارت إلى أن أولادها اقترعوا فيما بينهم لاختيار من سيخرج منهم معها وزوجها إلى دولة قطر، فوقع الاختيار على همام، الذي استشهد في هجوم الدوحة.

وتضيف أن همام بكى حين اضطر لمغادرة القطاع، لأنه شعر بأنه حرم من شرف البقاء مع أهله خلال الحرب.

وقالت السيدة أمل الحية إنها شعرت بالحزن عندما علمت بإصابة ابنها عزام إصابة بليغة لأنها خشيت عليه المعاناة وتمنت له الشهادة، وأضافت “لم أره، ولم أسمع صوته منذ بداية الحرب سوى قبل استشهاده بأسبوعين عندما اتصل وكأنه كان يودعنا، لأن أولادي وأحفادي يرفضون الخروج من القطاع ويعانون ما يعانيه بقية سكان القطاع”.

وفي مواجهة الانتقادات التي تطال أبناء قيادات حماس، تشدد السيدة أمل على أنهم كانوا في قلب المعاناة، قائلة إن “أبناء القيادات يجب أن يكونوا أمام الجند لا خلفهم”، مؤكدة أنهم عاشوا النزوح والجوع والخوف كغيرهم.

وتشير إلى أن عائلتها قدمت 17 شهيداً على مدار السنوات، فيما لا يزال أقارب وأبناء قطاع غزة تحت الأنقاض، في مشهد تصفه بأنه يفوق قدرة الوصف.

وتختم حديثها بوصف غزة بأنها “مقبرة جماعية”، معربة عن أمنيتها في العودة إليها فور فتح الحدود، للوقوف فوق أنقاض البيوت وإلقاء السلام على أرواح من فقدتهم.