“نواجه موجة عداء عالمية، لا خطط، ولا حلول، فقط دمار، والعالم ضاق ذرعا، بينما تتوسع المقاطعة الصامتة، وتتعمق العزلة، وتعيش إسرائيل أسوأ لحظاتها الدبلوماسية منذ عقود”.

“إن الرأي العام في الغرب بات معاديا بشكل متزايد لإسرائيل، بسبب صور الدمار وسقوط المدنيين، وسط غياب خطة إسرائيلية لإنهاء الحرب أو إعادة إعمار غزة”.

هذه بعض تصريحات مسؤولين “إسرائيليين”، عن حال الاحتلال بعد قُرابة عامين من الحرب على غزة، وهي تصريحات تؤكد أن الكيان اللقيط يعيش عزلة سياسية غير مسبوقة، وهذه العزلة تمتد بقوة إلى الجانب الاقتصادي أيضا، ليشهد الاحتلال الصهيوني زلازل اقتصادية قد يظنّها البعض هزّات ضعيفة ومؤقتة، لكنها لم ولن تكون أبدا كذلك.

المال لا يجلبه الدم

عُزلة الكيان الصهيوني السياسية بسبب حرب الإبادة والتجويع التي يشنها على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، امتدت للاقتصاد أيضا، حيث كشفت تقارير عدّة إصابة اقتصاد “إسرائيل” بكثير الصدمات نتيجة اعتداءاتها في الشرق الأوسط عموما وغزة وإيران خصوصا.

وكشفت دائرة الإحصاء المركزية “الإسرائيلية”، عن تراجع الاقتصاد الصهيوني بنسبة 3.5% من إجمالي الناتج المحلي خلال الربع الثاني من 2025 نتيجة انخفاض في الاستهلاك وتراجع الاستثمارات بشكل كبير.

وحسب الدائرة، فإن القطاع التجاري تعرّض لضربة كبيرة، فانكمش بنسبة 6.2%، في حين تراجع الاستهلاك الخاص بنسبة 4.1%، كما انخفض الإنفاق العام بنسبة 1%، مع ارتفاع للواردات باستثناء المشتريات المتعلقة بالدفاع، بنسبة 3.1%.

وهوى الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 12.3%، مما يشير إلى ضعف ثقة الأعمال، في حين تراجعت صادرات السلع والخدمات، باستثناء الشركات الناشئة والألماس، بنسبة 3.5%، حسب دائرة الإحصاء.

تعقّد الشراكات

نشر موقع “القناة 12” تقريرا اقتصاديا تحليليا جديدا صدر عن شركة “IVC”؛ وهي شركة “إسرائيلية” لأبحاث السوق، مشيرا إلى أن الشركات الدولية تحجم عن التعاون مع كثير المؤسسات الصهيونية، كما حدث مع سلسلة “Pret A Manger” البريطانية التي ألغت دخولها للسوق “الإسرائيلية”.

وأضاف التقرير، أن شركات كبرى أيضا مثل ماكدونالدز وستاربكس وأمازون تواجه احتجاجات ومقاطعة عالمية متواصلة بسبب علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم بإبادة غير مسبوقة في غزة، مما أثر سلبًا على عائداتها وعقّد عملها ودعمها للكيان.

تضرّر القطاع الأهم

يعدّ قطاع التكنولوجيا المتقدمة قاطرة الاقتصاد الصهيوني، والمحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي إذ يمثل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي و53% من إجمالي الصادرات.

ولأنه قطاع محوري، فإن صناعة التقنية العالية تساهم في اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، من خلال الإنتاج والتوظيف وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما حوّل “إسرائيل” إلى اقتصاد متقدم.

وحسب تقرير شركة “IVC”، فإن هذا المجال لم يسلم أيضا من الضغوط بل كان الأكثر تضّررا، بسبب التحديات نتيجة للحرب، مثل هجرة موظفين وتراجع التمويل، حيث أصبح عدد الصفقات متراجعا، والمستثمرون من أوروبا وآسيا باتوا أقل حضورًا، بحسب معهد رايز.

تقرير شركة “IVC” كشف أيضا تراجع عدد جولات التمويل في شركات التكنولوجيا “الإسرائيلية” بنسبة 11%، وهو ما يعكس تركز الأموال في عدد أقل من الشركات، مع صعوبة بالغة في جذب الاستثمارات الجديدة، خاصة في المراحل المبكرة.

رأس الجبل الجليدي

يرى المحامي الصهيوني ميكي برنياع، الخبير في القانون التجاري، (في تصريحه للـ”القناة 12″)، أن على “إسرائيل” الحذر من اتساع “التهميش المتزايد لها في الأسواق العالمية، حتى من قبل شركاء تقليديين ويهود من خارج البلاد”.

وقال، إن “أيّة علاقة تجارية مع الإسرائيليين أصبحت أكثر صعوبة وإرهاقًا من ذي قبل، حيث أن كثيرين يفضلون تفادي العمل مع إسرائيل خشية الضغط الداخلي في شركاتهم أو الرأي العام”.

وحذّر برنياع خلال تصريحه للقناة العبرية، من أن “إسرائيل” أصبحت الآن “جزيرة معزولة في بيئة معادية، مع فقدانها أيضا للثقة العالمية التي لن تعوّض بسهولة، حتى لو توقفت الحرب فورًا، لأن الضرر بدأ يحدث بالفعل، لكن لم ير الكيان، لحد الساعة سوى رأس الجبل الجليدي”.

خسائر غير مرئية ومستقبل مظلم

قال مراقبون للقناة ذاتها، إن الخسائر التي تشكّل خطرا هي الخسائر “غير المرئية”؛ أي تلك الصفقات التي لا تُبرم أصلًا بسبب السمعة الدولية المتدهورة. ويصعب إحصاؤها بدقة، لكنها تُحدث أثرًا تراكميًا مباشرًا على الاقتصاد والمواطن الإسرائيلي، لا سيما مع ارتفاع الأسعار والضغوط الأمنية المتزايدة.

وأضافوا، أن البيانات المخيّبة للآمال تعكس أثر الحرب على النشاط الاقتصادي للكيان، مشيرين إلى أن “هذه الأرقام تسلط الضوء على انكماش كبير، خصوصا في القطاع الخاص والاستثمارات، مما قد يثقل كاهل آفاق التعافي”.