يشهد العالم منذ أيام حالة ترقب متزايدة مع اقتراب “أسطول الصمود العالمي” من المياه التي قد يتعرض فيها للاعتراض من البحرية “الإسرائيلية”.

وتحولت القافلة من مبادرة إنسانية لكسر الحصار عن غزة إلى حدث دولي يحرّك مواقف الحكومات ويشعل النقاشات داخل الرأي العام العالمي.

ولعل أبرز ما ميّز الساعات الأخيرة هو دخول بوارج عسكرية أوروبية وتركية على الخط، حيث تحركت سفن من إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا في محيط الأسطول.

هذا التطور يثير تساؤلات حول أبعاده: هل تسعى هذه الدول فعلاً إلى حماية القافلة، أم أنها تتحرك لتجنب أزمة دبلوماسية قد تنفجر إذا استُهدف مدنيون على متنها؟

تحركات عسكرية مثيرة

يرى عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم السابق في فيديو نشره أمس من متن سفينة “أمستردام”، أن السبب الجوهري لهذه التحركات هو الخوف من أن تجد هذه الدول نفسها في مواجهة مفتوحة مع الاحتلال.

ويقول: “هذه الدول لا تريد أن تصنع أزمة دبلوماسية كبيرة إن تم قصف أو إغراق بعض السفن، لأن ذلك سيدفعها بقوة إلى مواجهة الكيان الصهيوني.”

مؤكدا: “الدول التي تحرص على سيادتها وتلتزم بمقتضيات القانون والدستور والمسؤولية السياسية، سيكون عليها حينها أن تتحرك بقوة لمتابعة الكيان الصهيوني ومحاسبته على خرقه للقانون الدولي”.

ويضيف أن الهدف الأساسي  هو منع الهجوم وقتل المدنيين، لكن دون منع الاعتراض نفسه.

ويوضح أن تجربة “مرمرة” عام 2010 خير دليل على الأزمات الطويلة التي يمكن أن تفرزها مثل هذه المواجهات.

(هجوم الذي شنّته قوات الاحتلال الإسرائيلي على سفينة مافي مرمرة التركية التضامنية، قرب شواطئ قطاع غزة، وأسفر عن استشهاد 10نشطاء أتراك).

ثلاث سيناريوهات أمام الأسطول

يرى مقري أن هناك ثلاثة احتمالات رئيسية:

  • “إما الاعتراض عبر سفن حربية إسرائيلية تحاول إيقاف سفن الأسطول.”
  • “أو الهجوم المباشر وإغراق بعض السفن.”
  • “أو السيطرة على السفن والتحكم تماما كما حدث في مرمرة 2010 ومدلين وحنطلة.”

ويؤكد أن الاحتمال الأكبر اليوم هو الاعتراض، بفعل الضغط الدولي والتحركات العسكرية الأوروبية والتركية.

ورطة في حسابات الاحتلال

قال مقري: “المهم أن الكيان الصهيوني في أزمة كبرى، فهو لا يعرف كيف يوقف هذا الأسطول دون الدخول في مسار آخر مع هذه الدول.”

وأضاف: “هناك تدريبات بين السفن المشاركة لكيفية التعامل مع الاعتراض المتوقع.”

ويشير إلى أن لحظة المواجهة قد تكون بين الليلة الثلاثاء أو الأربعاء، ما يجعل الأيام المقبلة فارقة في تحديد مصير الأسطول.

من التعطل إلى الزخم الدولي

يرى مقري أن العطل الذي أصاب بعض السفن كان له أثر إيجابي، إذ ساهم في زيادة التعبئة الشعبية وإرباك الاحتلال.

ويقول: “سواء بتحريك الرأي العام أو بإظهار شجاعة المشاركين أو بتحريك بوارج أوروبية، فإن التعطل صنع فوائد مهمة.”

ولفت إلى أن تركيا تحركت علنًا عبر بوارج وسفن للهلال الأحمر، بينما اكتفت دول أخرى بالتحرك بعيدًا عن الأضواء.

موقف إدارة الأسطول

من جهتها، أصدرت إدارة أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة بيانًا طالبت فيه حكومات الدول المشاركة في مواكبة سفنه بتحويل دعمها السياسي والإنساني إلى التزامات عملية، وذلك عبر مرافقة السفن حتى شواطئ القطاع.

وفي السياق ذاته، ناشدت الإدارة حكومات تركيا وإيطاليا وإسبانيا، وسائر دول العالم، بأن تتجاوز حدود البيانات التضامنية إلى أفعال ملموسة تُجسد الإرادة الدولية في إنهاء الحصار البحري.

وأوضحت أن أي تراجع أو تلكؤ من شأنه أن يضعف زخم المبادرة ويمنح الاحتلال فرصة لمواصلة خنق غزة بحصار شامل.

بالموازاة، تدخلت تركيا أمس الاثنين لإجلاء ركاب إحدى سفن الأسطول بعد تعرضها لعطل تقني وتسرب المياه إليها، في خطوة وُصفت بأنها استجابة إنسانية عاجلة.

واستأنف الأسطول رحلته أمس بعد عطل أصاب 3 من مراكبه، فيما تفصله عن شواطئ غزة نحو 218 ميلا بحرية.

وينتظر أن يقترب من “المنطقة الحمراء” التي يُرجح أن تشهد محاولة الاعتراض الإسرائيلي.

اختبار الإرادة الدولية

في حين يرى مراقبون أسطول الصمود تجاوز كونه مبادرة إنسانية إلى حدث سياسي يختبر صدقية المواقف الدولية.

فالدول الأوروبية وتركيا تسعى لتفادي أزمة دبلوماسية مع الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه مضطرة لإظهار دعمها الإنساني أمام شعوبها.

أما الكيان الصهيوني، فهو أمام معضلة: الاعتراض قد يثير أزمة دبلوماسية، والهجوم قد يشعل مواجهة أكبر.

هكذا، تحوّل الأسطول إلى ورقة ضغط استراتيجية، تعيد رسم توازنات شرق المتوسط، وتكشف أن كسر الحصار عن غزة لم يعد مجرد مطلب إنساني، بل معركة رمزية تحمل أبعادًا جيوسياسية عميقة.

 كما تؤكد مصادر مطلعة أن هذه الحسابات تفسر حرص العواصم الغربية على ضبط ردود أفعالها، والاكتفاء بإرسال رسائل سياسية وعسكرية مدروسة، دون الانجرار إلى خطوات قد توسع دائرة الصراع.

في  حين يقرأ هذا التوازن إدراكًا عميقًا لخطورة الموقف، حيث تحاول القوى الكبرى حماية مصالحها التجارية والطاقوية في الممرات البحرية، مع تجنّب الاصطدام المباشر الذي قد يغير معادلات الحرب برمتها.